ابن حزم

303

رسائل ابن حزم الأندلسي

وكيف تلذ العين هجعة ساعة . . . وقد طال فيما عاينته اعتبارها وكيف تقر النفس في دار نقلة . . . قد استيقنت أن ليس فيها قرارها وأنى لها في الأرض خاطر فكرة . . . ولم تدر بعد الموت أين محارها أليس لها في السعي للفوز شاغل . . . أما في توقيها العذاب ازدجارها فخابت نفوس قادها لهو ساعة . . . إلى حر نار ليس يطفى أوارها لها سائق حاد حثيث مبادر . . . إلى غير ما أضحى إليه مدارها تراد لأمر وهي تطلب غيره . . . وتقصد وجهاً في سواه سفارها أمسرعة فيما يسوء قيامها . . . وقد أيقنت أن العذاب قصارها تعطل مفروضاً وتغنى بفضلة . . . لقد شفها طغيانها واغترارها إلى ما لها منه البلاء سكونها . . . وعما لها منه النجاح نفارها وتعرض عن رب دعاها لرشدها . . . وتتبع دنيا جد عنها فرارها فيا أيها المغرور بادر برجعة . . . فلله دار ليس تخمد نارها ولا تتخير فانياً دون خالد . . . دليل على محض العقول اختيارها أتعلم أن الحق فيما تركته . . . وتسلك سبلاً ليس يخفى عوارها وتترك بيضاء المناهج ضلة . . . لبهماء يؤذي الرجل فيها عثارها تسر بلهو معقب بندامة . . . إذا ما انقضى لا ينقضي مستثارها وتفنى الليالي والمسرات كلها . . . وتبقى تباعات الذنوب وعارها فهل أنت يا مغبون مستيقظ فقد . . . تبين من سر الخطوب استتارها فعجل إلى رضوان ربك واجتنب . . . نواهيه إذ قد تجلى منارها يجد مرور الدهر عنك بلاعب . . . وتغرى بدنيا ساء فيك سرارها فكم أمة قد غرها الدهر قبلنا . . . وهاتيك منها مقفرات ديارها تذكر على ما قد مضى واعتبر به . . . فإن المذكي للعقول اعتبارها تحامى ذراها كل باغ وطالب . . . وكان ضماناً في الأعادي انتصارها توافت ببطن الأرض وانشت شملها . . . وعاد إلى ذي ملكه مستعارها وكم راقد في غفلة عن منية . . . مشمرة في القصد وهو شعارها ومظلمة قد نالها متسلط . . . مدل بأيد عند ذي العرش ثارها